محمد بن جرير الطبري
496
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ذكر غزوته أبا زوجته جراده وخبر الشيطان الذي أخذ خاتمه حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمه ، عن ابن إسحاق ، عن بعض العلماء ، قال : قال وهب بن منبه : سمع سليمان بمدينه في جزيرة من جزائر البحر ، يقال لها صيدون ، بها ملك عظيم السلطان لم يكن للناس اليه سبيل ، لمكانه في البحر ، وكان الله قد آتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع منه شيء في بر ولا بحر ، انما يركب اليه إذا ركب على الريح ، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء ، حتى نزل بها بجنوده من الجن والانس ، فقتل ملكها واستفاء ما فيها ، وأصاب فيما أصاب ابنه لذلك الملك لم ير مثلها حسنا وجمالا ، فاصطفاها لنفسه ، ودعاها إلى الاسلام فأسلمت على جفاء منها وقله ثقة ، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه ، ووقعت نفسه عليها ، فكانت على منزلتها عنده لا يذهب حزنها ، ولا يرقأ دمعها ، فقال لها ، لما رأى ما بها وهو يشق عليه من ذلك ما يرى : ويحك ، ما هذا الحزن الذي لا يذهب ، والدمع الذي لا يرقأ ! قالت : ان أبى اذكره واذكر ملكه وما كان فيه وما اصابه ، فيحزننى ذلك ، قال : فقد ابد لك الله به ملكا هو أعظم من ملكه ، وسلطانا هو أعظم من سلطانه ، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله ، قالت : ان ذلك لكذلك ، ولكني إذا ذكرته أصابني ما قد ترى من الحزن ، فلو انك أمرت الشياطين ، فصوروا صوره أبى في دارى التي انا فيها ، أراها بكره وعشيا لرجوت ان يذهب ذلك حزنى ، وان يسلى عنى بعض ما أجد في نفسي ، فامر سليمان الشياطين ، فقال : مثلوا لها صوره أبيها في دارها حتى ما تنكر منه شيئا ، فمثلوه لها حتى نظرت إلى أبيها في نفسه ،